المطلع
عاجل

post-image

الشرع بالذكرى الأولى: خطاب يؤسّس لشرعية جديدة من قلب التاريخ السوري


15:52 تقارير عربية ودولية
2025-12-09
24195

في الذكرى السنوية الأولى للتحول السياسي الأكبر في تاريخ سوريا الحديث، تبرز مشاهد رمزية مكثفة تتمزج فيها الدلالة الدينية بالبعد السياسي، في بلد ما زال يبحث عن توازن جديد بعد سقوط نظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر 2024.

وفي مشهد تتداخل فيه الرمزية بالديني، ويتقاطع فيه السياسي مع التحولات العميقة التي تعيشها سوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر 2024، اختار الرئيس السوري أحمد الشرع أن يحيي الذكرى السنوية الأولى لهذا الحدث المفصلي من المسجد الأموي في دمشق.

ولم يكن هذا الاختيار مجرد تحديد مكان لإلقاء كلمة، بل بدا أقرب إلى إعلان مُحكم لمعالم مرحلة جديدة تسعى فيها السلطة إلى تثبيت شرعيتها عبر توظيف الإرث التاريخي والديني لأحد أهم المعالم الإسلامية في بلاد الشام.

ومنذ ساعات الفجر الأولى، ظهر الشرع على نحو مدروس وهو يؤدي صلاة الفجر في المسجد الأموي، في مشهد نقلته رئاسة الجمهورية ووكالة “سانا” الرسمية بوصفه احتفالاً بـتحرير سوريا.

وتزامن الحدث مع إطلاق “تكبيرات النصر” في مساجد دمشق وحمص واللاذقية وطرطوس وحماة وإدلب، في محاولة واضحة لصناعة مناخ تعبوي يكرّس سردية التفوق السياسي وطي صفحة الماضي.

وكانت الكلمة التي ألقاها الشرع عقب الصلاة بمثابة بيان سياسي متعدد الطبقات، حمل رسائل موجهة إلى الداخل والخارج في آن واحد.

واستهل الرئيس خطابه بعبارة "أطيعوني ما أطعت الله فيكم"، وهي جملة ذات دلالات فقهية وسياسية تستحضر صيغاً قديمة من علاقة الحاكم بالمحكوم.

ويشير محللون أن:"هذا الاستدعاء الديني ليس مجرد زخرفة لغوية، بل محاولة لتشكيل قاعدة أخلاقية للسلطة، تقوم على ربط شرعية القيادة بالتقوى والالتزام بالقيم الإسلامية".

وفي بلد شهد انقسامات عميقة وصراعاً مدمراً، تسعى السلطة عبر هذا الخطاب إلى تقديم نفسها بوصفها قيادة "عادلة" و"نظيفة" أخلاقياً، قادرة على تجاوز ممارسات الماضي.

ولكن قوة الخطاب لا تكمن في رمزيته وحسب، بل في محاولته رسم صورة لقائد واثق من نفسه، يَعِد بأن "لن يقف في وجهنا أي أحد مهما كبر أو عظم".

ويشي هذا النوع من الخطاب برغبة شديدة في تثبيت الهيبة السياسية، وإرسال رسالة بأن المرحلة الحالية ليست انتقالية أو هشة، بل هي بداية لترسُّخ نظام جديد يرى في نفسه صاحب القرار الأخير على الأرض السورية. غير أنّ مثل هذه العبارات، رغم أنها تخاطب الحاضنة الشعبية الموالية، تظهر أيضاً حجم التحديات التي تدركها القيادة: إذ لا حاجة لتأكيد القوة إلا عندما يكون هناك احتمال شعبي أو خارجي للشك فيها.

وفي تطرقه إلى مستقبل سوريا، حاول الشرع تقديم رؤية جامعة، تُخاطب جغرافيا البلاد كلها، لا سيما بعد سنوات من الانقسام الإقليمي والسياسي وظهور سلطات موازية.

وكلمة الشرع في الذكرى الأولى بمثابة بيان سياسي متعدد الطبقات، حمل رسائل موجهة إلى الداخل والخارج في آن واحد.

ويحمل تعهّده بإعادة بناء سوريا "من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها" رغبة في ترميم السيادة الوطنية ووضع حد لمرحلة التشتت.

إلا أن هذه الوعود، رغم وقعها العاطفي، تبقى في إطار الرؤية العامة؛ فلا تفاصيل واضحة حول آليات إعادة الإعمار، أو مصادر التمويل، أو كيفية استعادة ثقة المستثمرين والدول التي سبق أن ساهمت في إعادة الإعمار قبل الحرب أو خلالها.

وإضافة إلى ذلك، ثمة حاجة إلى منظومة سياسية وإدارية شفافة تضمن استعادة ثقة المواطن بعد عقود من الفساد وغياب الحوكمة.

ويشكل خطاب الشرع في هذا السياق إعلان نوايا أكثر منه برنامجاً عملياً، لكنه يعكس إدراكاً بأن المرحلة القادمة ستحدد مصير النظام الجديد وقدرته على البقاء.

واللافت أيضاً في خطاب الشرع هو إصراره على خطاب "نصرة المستضعفين" و"العدالة بين الناس".

ويعكس هذا التوجه محاولة لرسم صورة أخلاقية للسلطة تختلف عن النموذج الأمني الصارم الذي طبع مرحلة الأسد، لكنه أيضاً مؤشر على إدراك القيادة الجديدة بأن الوقت قد حان لتقديم عقد اجتماعي مختلف يلحظ أن الشعب لم يعد يقبل بسياسات الإهمال والتهميش وغياب العدالة.

إلا أن ترجمة هذا الخطاب إلى منظومة تشريعية ومؤسساتية تتطلب إرادة سياسية جدية وإصلاحات عميقة، وهو ما لا تظهر ملامحه بشكل واضح حتى الآن.

ومن جهة أخرى، يحمل اختيار المسجد الأموي لإحياء الذكرى رسالة مركّبة: فهو ليس فقط رمزاً دينياً، بل رمزاً للدولة السورية التاريخية ومركزاً سياسياً غير معلن.

وعبر التاريخ، استخدم الحكام هذا الموقع لإضفاء الشرعية على سلطتهم، ما يجعل استحضاره في هذه اللحظة محاولة لإعادة ربط الدولة بعمقها الحضاري.

وبهذا المعنى، لا يقدم الشرع نفسه كزعيم سياسي فقط، بل كحامل لإرث تاريخي يريد أن يعيد لسوريا مكانتها التي تضررت بفعل الحرب والانقسام.

ومع ذلك، فإن هذا البعد الرمزي، رغم أهميته، لا يكفي وحده لتثبيت شرعية مستدامة. فالمشهد السوري اليوم أكثر تعقيداً من أن يُحل عبر الخطابات والتقاليد الرمزية. هناك تحديات أمنية في بعض المناطق، وتوترات قبلية ومناطقية، ونفوذ خارجي لا يزال مؤثراً. كما أن المجتمع السوري خرج من الحرب بتعب شديد، وانقسام اجتماعي يحتاج إلى مصالحة حقيقية لا يمكن بناؤها دون آليات واضحة، وعدالة انتقالية، ومبادرات لإعادة دمج المجتمعات المتضررة.

وفي سياق العلاقات الخارجية، يطمح الشرع إلى إعادة سوريا إلى النظام الإقليمي والدولي، لكن الطريق ليس سهلاً.

وبالرغم من التحسن التدريجي في بعض العلاقات العربية، فإن القوى الدولية ما تزال تراقب الوضع بحذر، ولا توجد ضمانات بأن عملية إعادة الإعمار ستكون مدعومة دولياً، خصوصاً وأن القوى الكبرى تربط أي دعم بتسوية سياسية شاملة.

ولم يتطرق خطاب الشرع مباشرة إلى هذه الإشكالات، لكنه حاول أن يعطي انطباعاً بأن القيادة الحالية مستعدة لخوض هذا المسار بثقة، رغم غياب رؤية دبلوماسية معلنة.

وأما على الصعيد الشعبي، فإن خطاب الشرع يبدو مصمماً لبناء حالة من الالتفاف الوطني حول القيادة، من خلال خطاب ديني ووطني. لكنه في الوقت نفسه يلقي على كاهل المواطنين مسؤولية المشاركة في "مواجهة التحديات".

وهذا الخطاب الذي يجمع بين الاستنهاض والتحشيد هو خطاب معتاد في المراحل الانتقالية، لكنه يحتاج إلى ترجمة عملية تضمن للمواطن أن تضحياته لن تذهب سدى، ولا سيما في ظل الظروف الاقتصادية التي يعيشها السوريون.

ورغم أن السنة الأولى من حكم الشرع مثّلت مرحلة تركيز على تثبيت السلطة واستعادة المؤسسات، إلا أن السنة الثانية ستكون اختباراً حقيقياً لقدرته على تحويل خطاب المسجد الأموي إلى واقع ملموس.

ولن يتوقف حدود نجاحه على قدرة الدولة على إعادة الإعمار فحسب، بل على قدرتها على إعادة بناء الثقة، وإحلال الاستقرار، وتقديم نموذج مختلف عن الفساد والسلطوية الذي ارتبط بعقود ما قبل سقوط نظام الأسد.

ويعكس هذا التقرير حالة الانتظار والترقب التي تعيشها سوريا اليوم، بين خطاب يحمل وعوداً واسعة ورموزاً دينية وسياسية ثقيلة الدلالة، وبين واقع مليء بالتحديات المعقدة.

وفيما يحاول الرئيس أحمد الشرع ترسيخ ملامح لمرحلة مختلفة، فإن نجاح المشروع الجديد سيُقاس بقدرته على تحويل هذا الخطاب إلى إصلاحات ملموسة تعيد اللحمة للسوريين وتضع البلاد على طريق الاستقرار بعد سنوات من الانهيار والصراع.
المصدر: صحيفة العرب + المطلع.

كلمات مفتاحية

اخبار ذات صلة

تعليقات

أحدث الاخبار

القبض على المجرم "ابن الحجية" في بغداد الجديدة

القبض على المجرم "ابن الحجية" في بغداد الجديدة

2026-06-04 16:26 864
الحرس الثوري ينفي استهداف مطار الكويت: صواريخ باتريوت الأمريكية وراء تدميره

الحرس الثوري ينفي استهداف مطار الكويت: صواريخ باتريوت الأمريكية وراء تدميره

2026-06-03 23:01 5258
المؤبد وغرامة ضخمة لمجرم مدان بنقل المخدرات في النجف

المؤبد وغرامة ضخمة لمجرم مدان بنقل المخدرات في النجف

2026-06-03 22:16 5161
التعليم تعلن تغيير عقوبة الغش في الامتحانات

التعليم تعلن تغيير عقوبة الغش في الامتحانات

2026-06-03 21:02 13749
وزير الخارجية الإيراني: سنرد على أي عمل عدائي ضدنا فوراً وبشكل حاسم

وزير الخارجية الإيراني: سنرد على أي عمل عدائي ضدنا فوراً وبشكل حاسم

2026-06-03 19:44 5006
الأمن الوطني يوقع بشبكة احتيال إلكتروني تمارس التسويق الوهمي بالديوانية

الأمن الوطني يوقع بشبكة احتيال إلكتروني تمارس التسويق الوهمي بالديوانية

2026-06-03 18:02 5002
حركة النجباء تؤكد رفضها نزع السلاح وتسليمه للدولة: موقفنا واضح

حركة النجباء تؤكد رفضها نزع السلاح وتسليمه للدولة: موقفنا واضح

2026-06-03 17:01 5196
بشكل عاجل... الكويت تطلب مغادرة دبلوماسيين إيرانيين من أراضيها

بشكل عاجل... الكويت تطلب مغادرة دبلوماسيين إيرانيين من أراضيها

2026-06-03 17:26 5304
الإيبولا يلغي مواجهة دولية بين الكونغو وتشيلي قبل المونديال

الإيبولا يلغي مواجهة دولية بين الكونغو وتشيلي قبل المونديال

2026-06-03 12:04 5952
ترامب يتحدث عن تقدم نووي مع إيران وطهران ترد: المفاوضات مجمدة بسبب لبنان

ترامب يتحدث عن تقدم نووي مع إيران وطهران ترد: المفاوضات مجمدة بسبب لبنان

2026-06-03 16:30 5532
بسبب التقصير... إعفاء مدير مشروع حرية - دغارة في الديوانية وتكليف بديل عنه

بسبب التقصير... إعفاء مدير مشروع حرية - دغارة في الديوانية وتكليف بديل عنه

2026-06-03 13:28 7712
العوادي يتابع خطة الداخلية لاستعدادات عيد الغدير في النجف الأشرف

العوادي يتابع خطة الداخلية لاستعدادات عيد الغدير في النجف الأشرف

2026-06-03 14:01 14423
الحكومة تُشكل لجنة لتنفيذ إجراءات فك الارتباط بالحشد وحصر السلاح بيد الدولة

الحكومة تُشكل لجنة لتنفيذ إجراءات فك الارتباط بالحشد وحصر السلاح بيد الدولة

2026-06-03 15:43 6070
فشل التصعيد يفتح باب التفاوض... إيران تفرض أوراق القوة من بيروت إلى هرمز

فشل التصعيد يفتح باب التفاوض... إيران تفرض أوراق القوة من بيروت إلى هرمز

2026-06-01 21:35 11399
الخطوط الجوية العراقية تعلن تعليق رحلاتها لبيروت حتى إشعار آخر

الخطوط الجوية العراقية تعلن تعليق رحلاتها لبيروت حتى إشعار آخر

2026-06-01 19:01 22579
باريس سان جيرمان يتوج بدوري أبطال أوروبا للمرة الثانية بفوزه على الآرسنال

باريس سان جيرمان يتوج بدوري أبطال أوروبا للمرة الثانية بفوزه على الآرسنال

2026-05-30 22:03 18910
العراق يحصد جائزة "لبيتم" كأفضل بعثة حج بالعالم للموسم الخامس توالياً

العراق يحصد جائزة "لبيتم" كأفضل بعثة حج بالعالم للموسم الخامس توالياً

2026-05-29 22:21 56610
ترامب يعلن اقتراب اتفاق "السلام مع إيران" ويكشف: فتح هرمز ضمن الصفقة

ترامب يعلن اقتراب اتفاق "السلام مع إيران" ويكشف: فتح هرمز ضمن الصفقة

2026-05-24 00:16 62956