المطلع
عاجل

post-image

أحلام معلقة في حقائب الظهر... شبان عراقيون يطاردون لقمة العيش بين المحافظات


01:31 تقارير عربية ودولية
2025-11-19
41592

بملابس متواضعة وأوراق ثبوتية داخل حقائب ظهر، يسافر آلاف الشباب العراقيين بين المحافظات بحثاً عن وظائف مؤقتة أو موسمية توفر لهم قوت يومهم، حتى وإن لم يكن لديهم مسكن ثابت أو أي نوع من الحماية الاجتماعية، خصوصاً مع استمرار ارتفاع معدلات البطالة في البلاد، ما يجعل العثور على فرصة عمل أمراً نادراً.

وكشف تقرير لـ"العربي الجديد" وتابعته “المطلع” أن: “هذه المشاهد لم تعد مجرد حالات فردية، إنما صارت بمنزلة ظاهرة تعكس عمق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في العراق، وتلامس هشاشة سياسة الإسكان وانعدام فرص التنمية المتوازنة بين المحافظات”.

وعلى امتداد العام، يتنقل هؤلاء الشبّان الذين تراوح أعمارهم غالباً بين 18 و35 سنة، بين محافظة البصرة ومدينة الناصرية بمحافظة ذي قار جنوبي العراق، مروراً بمحافظة النجف جنوب غربي البلاد، وصولاً إلى محافظة الأنبار غربي البلاد، وذلك بحسب المواسم وفرص العمل.

ففي موسم حصاد القمح والذرة والنخيل والزيتون، يقصدون المحافظات المعروفة بهذه الزراعات، وفي فترات لاحقة يتوجهون نحو المدن الكبرى للعمل في ورش البناء، إما في تفريغ الحمولات وإما الهدم والتنظيف، وإما التجارة وخدمات التوصيل، وإما  الوظائف الرقمية غير المستقرة أيضاً، وإما أي مهنة يمكن أن تدرّ عليهم مصدر دخل، ولا تتطلب تخصصات محددة.

تجدهم يفترشون الساحات ومحطات الاستراحة أو يختارون السكن الجماعي أو ينامون في منازل أصحاب العمل أنفسهم، أو في غرف مستأجرة باليوم، أو داخل ورش البناء وأماكن العمل، كونهم عاجزين عن تكبد كلفة إيجار شقة صغيرة.

يتحدّر معظم هؤلاء الشبّان من خلفيات ريفية أو من مدن أصغر، ويعمل كثيرون منهم من دون أي عقود رسمية أو أي حقوق وتأمينات اجتماعية.

يقول علي (23 سنة) المتحدر من محافظة الديوانية جنوب وسط العراق، لـ"العربي الجديد": "منذ ثلاثة أعوام وأنا أتنقل بين المحافظات بحقيبتي الصغيرة، بحثاً عن عمل أعيش منه بكرامة. عملتُ في مجال البناء بالبصرة، وفي مقهى بالنجف، وكنتُ بائعاً متجولاً في العاصمة بغداد، لكنني لم أجد الاستقرار، كل شيء مؤقت".

ويشير إلى أن معاناته تنسحب على الكثير من الشبّان الذين يتجولون بين المحافظات، بحثاً عن فرصة عمل قد لا تتجاوز مدتها شهراً واحداً، ومن ثم يضطرون إلى الانتقال نحو محافظة أخرى علّهم يحظون بمصدر رزق.

ويخبر حسين (25 سنة) القادم من محافظة النجف، أنه قصد بغداد باعتبار أن فرص العمل أكثر، حتى ولو كانت مؤقتة، ويضيف لـ"العربي الجديد": "تمكنت من إيجاد فرصة عمل في أحد المطاعم براتب قليل أحوّله إلى أهلي. لكن الحياة المتنقلة صعبة، إذ لا راحة بال ولا استقرار، فضلاً عن ابتعادي عن أهلي. كل ما أتمناه اليوم أن أعثر على فرصة عمل ثابتة في محافظتي، كي أستقر وأكون بالقرب من والدتي المريضة".

ويشير الخبير الاقتصادي، سالم الدليمي، إلى أنّ الشاب العراقي يواجه اليوم أزمة معقدة تتجاوز مفهوم البطالة التقليدي، إذ إن قلة فرص العمل المستدامة وغياب السياسات التشغيلية الموجهة، جعلت من التوظيف المؤقت أو العقود القصيرة ظاهرة شبه ممنهجة. ويقول لـ"العربي الجديد": "إنّ مركزية الفرص الاقتصادية في المدن الكبرى، مثل بغداد والبصرة، جعلت منها محطات جذب أساسية للباحثين عن عمل، لكنها لا تقدّم بيئة معيشية متوازنة، بسبب ارتفاع كلفة السكن ونقص الوحدات السكنية الميسّرة.

لذلك يفضّل كثير من الشباب التنقل بين المحافظات، أو العيش في أماكن مؤقتة، بدلاً من الالتزام بإيجارات مرتفعة".

ويوضح الدليمي أن ضعف استثمارات التشغيل في المحافظات، إلى جانب الأزمات المتكررة في الرواتب الحكومية، وتأثير تغير المناخ على سُبل العيش في المناطق الزراعية، كلها عوامل تُجبر الشباب على التنقل المستمر بحثاً عن فرص محدودة الوقت توفّر لقمة العيش".

تكشف الباحثة الاجتماعية ليلى عمران لـ"العربي الجديد"، أنّ "هؤلاء الشبّان يعانون من اضطرابات نفسية وصحية، بسبب عدم توفر سكن خاص بهم، واضطرارهم إلى العيش ضمن بيئة غير صالحة، ما يخلق عندهم شعوراً بعدم القدرة على الاندماج المجتمعي عند انتقالهم إلى مدن أخرى، فضلاً عن شعور الاغتراب الذي يراودهم دائماً، وهم داخل وطنهم. كلها عوامل تسبّب أمراضاً نفسية وحالات من العزلة والاكتئاب".

بدورها، تتعاون المنظمات الدولية مع السلطات العراقية بشأن ملفات مرتبطة بالهجرة الداخلية والانتقال الآمن وفرص التشغيل. وخلال العام الجاري 2025، أطلق العراق خطة وطنية للهجرة من أجل إدارة حركة الهجرة والتنقل داخلياً وخارجياً، مع بنود تهدف إلى تحسين الحماية وفرص العمل والربط بين المحافظات. مع ذلك، لا يزال تنفيذ برامج إسكان مدعوم أو برامج تشغيل مخصصة للشباب، بطيئاً مقارنة بالحاجة الميدانية.

ويؤكد رئيس منظمة أفق للتنمية البشرية، علي بخت، أنّ معالجة تحديات البطالة والتنقل بين المحافظات تتطلب رؤية شاملة تتكامل فيها الحلول الاقتصادية والاجتماعية. ويضيف لـ"العربي الجديد": "تقدم منظمات المجتمع المدني دائماً برامج لدعم الشباب، من بين هذه البرامج إسكان شبابي ميسّر، يتضمّن وحدات سكنية مؤقتة ومنشآت إسكان عمّالية منظمة بتكلفة مدعومة، إلى جانب مشاريع تشغيل محلية في المحافظات تستهدف تحفيز الاستثمارات الصغيرة والمتوسطة لخلق فرص عمل قريبة من مسقط رأس الشباب، وتنظيم أوضاع العمّال المؤقتين عبر تسجيلهم بعقود رسمية تضمن حقوقهم وتحدّ من الاستغلال في سوق العمل اليومي، فضلاً عن دعم شبكات النقل الواصل بين المحافظات، لتوفير مواصلات آمنة ومنخفضة الكلفة".

ويرى بخت أنّ "الاهتمام بالجانب الاجتماعي والنفسي للشباب المتنقلين لا يقلّ أهمية عن التشغيل، داعياً إلى إطلاق برامج دعم نفسي واجتماعي تساعدهم على التكيّف وتقليل الآثار السلبية على صحتهم العقلية واستقرارهم الأسري".
أما الخبير القانوني وسام عبد الكريم، فيقول لـ"العربي الجديد" "إنّ عمل الشباب دون عقود رسمية يمثل إشكالية قانونية واجتماعية خطيرة، إذ يُبقي آلاف العاملين في حالة من اللا استقرار المهني والمعيشي، ويُعرّضهم للاستغلال من قبل بعض أصحاب العمل". ويعتبر أن "غياب العقود المكتوبة يحرم الشباب من الضمانات القانونية الأساسية مثل التأمين الصحي، وتعويضات الإصابة، والإجازات، وحق المطالبة بالأجر، مشيراً إلى أن الكثير منهم ينتقلون من عمل إلى آخر من دون أي حماية أو سجل مهني ثابت".

ويؤكد أن "الحلّ يكمن في تفعيل قانون العمل العراقي رقم (37) لسنة 2015 وتوسيعه ليشمل العاملين المؤقتين والعاملين بنظام الأجر اليومي، إلى جانب إطلاق قاعدة بيانات وطنية تُسجَّل فيها جميع فئات العمال لضمان حقوقهم ومتابعة التزامات أصحاب العمل".
وتوضح وزارة العمل والشؤون الاجتماعية أن العاصمة بغداد تشهد وفرةً أكبر في فرص العمل، مقارنةً بباقي المحافظات. ويقول مدير عام دائرة العمل والتدريب المهني، أسامة مجيد الخفاجي، لـ"العربي الجديد": "تتوفر فرص عمل أكثر في العاصمة، نظراً لتركز النشاطات الاقتصادية والتجارية والخدمية في بغداد، إلى جانب وجود مؤسسات القطاعين العام والخاص التي تستقطب أعداداً كبيرة من الباحثين عن العمل". ويشير إلى أن "هذا التفاوت بين المحافظات لا يعني غياب فرص العمل في بقية المناطق، بل يعكس الحاجة إلى توزيع أكثر عدالة للفرص الاستثمارية والمشاريع الإنتاجية، بما يضمن تمكين الشباب في كل محافظات العراق"، مبيّناً أن الوزارة تسعى إلى وضع خطط عملية لتقليل معدلات البطالة، من خلال برامج التدريب المهني ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، بالشراكة مع القطاع الخاص والهيئات المحلية".

كلمات مفتاحية

اخبار ذات صلة

تعليقات

أحدث الاخبار

قصر رونالدو بلا مشترٍ.. 700 ألف دولار تتبخر من قيمته

قصر رونالدو بلا مشترٍ.. 700 ألف دولار تتبخر من قيمته

2026-09-12 15:51 3958
ترامب: الحرب مع إيران ستنتهي قريباً

ترامب: الحرب مع إيران ستنتهي قريباً

2026-09-12 15:45 3306
بزشكيان: عدم استخدام أراضي الدول لتهديد الجيران مبدأ لا يجوز المساس به

بزشكيان: عدم استخدام أراضي الدول لتهديد الجيران مبدأ لا يجوز المساس به

2026-09-12 15:40 3150
القوات المسلحة الإيرانية: القدرات العسكرية الإيرانية تفوق تصورات العدو

القوات المسلحة الإيرانية: القدرات العسكرية الإيرانية تفوق تصورات العدو

2026-09-12 15:30 3299
الرئيس العراقي يدين الهجمات على السعودية ويرفض استخدام أراضي العراق

الرئيس العراقي يدين الهجمات على السعودية ويرفض استخدام أراضي العراق

2026-09-12 15:27 4775
رئيس البرلمان: رفض استخدام الأراضي العراقية للاعتداء على دول الجوار

رئيس البرلمان: رفض استخدام الأراضي العراقية للاعتداء على دول الجوار

2026-09-12 12:22 7827
الخارجية الإيرانية: اجتماع عُمان الاثنين خطوة أساسية لضمان أمن الخليج

الخارجية الإيرانية: اجتماع عُمان الاثنين خطوة أساسية لضمان أمن الخليج

2026-09-12 12:21 5494
طقس العراق.. استقرار في درجات الحرارة الأيام المقبلة

طقس العراق.. استقرار في درجات الحرارة الأيام المقبلة

2026-09-12 09:14 6568
ارتفاع جديد بأسعار الصرف في بغداد وأربيل مع افتتاح بداية الأسبوع

ارتفاع جديد بأسعار الصرف في بغداد وأربيل مع افتتاح بداية الأسبوع

2026-09-12 12:12 5801
الحلبوسي: لن نسمح باستخدام العراق لتهديد أمن السعودية ودول الجوار

الحلبوسي: لن نسمح باستخدام العراق لتهديد أمن السعودية ودول الجوار

2026-09-12 12:07 6086
مصر تهتز بجريمة مروعة.. أب ينهي حياة طفلته كارما ذات الـ4 أعوام

مصر تهتز بجريمة مروعة.. أب ينهي حياة طفلته كارما ذات الـ4 أعوام

2026-09-12 11:58 5291
التلغراف: سيطرة الحوثيين على باب المندب قد تقلب حسابات الملاحة العالمية

التلغراف: سيطرة الحوثيين على باب المندب قد تقلب حسابات الملاحة العالمية

2026-09-12 11:53 4482
"أكسيوس": ترامب رفض طلباً من ابن سلمان لشن ضربات أميركية على أنصار الله اليمنية

"أكسيوس": ترامب رفض طلباً من ابن سلمان لشن ضربات أميركية على أنصار الله اليمنية

2026-09-12 11:45 4862
الحكومة تدين الهجوم على خط أنابيب سعودي والزيدي يوجه بفتح تحقيق في ملابساته

الحكومة تدين الهجوم على خط أنابيب سعودي والزيدي يوجه بفتح تحقيق في ملابساته

2026-09-12 11:41 6957
الرئيس اللبناني من النبطية: لا مفاوضات مع "إسرائيل" حالياً ونتعهد بتحقيق الانسحاب الإسرائيلي

الرئيس اللبناني من النبطية: لا مفاوضات مع "إسرائيل" حالياً ونتعهد بتحقيق الانسحاب الإسرائيلي

2026-09-12 11:36 4623
مبابي يعلق غاضباً على صور "دكتاتور"..

مبابي يعلق غاضباً على صور "دكتاتور"..

2026-09-12 11:26 4934
لقطات الشاشة قد تصيبك بـ"فقدان ذاكرة رقمي".. مفأجاة صادمة!

لقطات الشاشة قد تصيبك بـ"فقدان ذاكرة رقمي".. مفأجاة صادمة!

2026-09-12 11:20 4992
لقطة لعمدة نيويورك تفجر عاصفة.. ممداني يضحك بذكرى 11 سبتمبر

لقطة لعمدة نيويورك تفجر عاصفة.. ممداني يضحك بذكرى 11 سبتمبر

2026-09-12 11:15 4475